السؤال:
ما هو الجواب على استدلال المعتزلة على خلق القرآن بما رواه الإمام أحمد في فضل آية الكرسي وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق الملك)؟
الجواب:
استدلال المعتزلة بهذا الحديث هو من جنس استدلالهم بحديث (تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان تحاجان عن صاحبهما) وما شابهها من هذه الأحاديث، والجواب عليه أن يُقال بأن المراد بذلك ثواب ذلك كله، كما دل عليه الكتاب والسنة.
قال ابن بطة في الإبانة الكبرى: (وإنما عنى في هذه الأحاديث في قوله: يجيء القرآن وتجيء البقرة وتجيء الصلاة ويجيء الصيام ثواب ذلك كله، وكل هذا مُبيّن في الكتاب والسنة. قال الله عز وجل (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، فظاهر اللفظ من هذا أنه يرى الخير والشر، ليس يرى الخير والشر، وإنما يرى ثوابهما والجزاء عليهما من الثواب والعقاب. كما قال عز وجل: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيدا)، وليس يعني ذلك أنها تلك الأعمال التي عملتها بهيئتها وكما عملتها من الشر، وإنما تجد الجزاء على ذلك من الثواب والعقاب. كما قال تعالى: (من يعمل سوءاً يُجز به)؛ فيجوز في الكلام أن يُقال: يجيء القرآن، تجيء الصلاة، وتجيء الزكاة، يجيء الصبر، يجيء الشكر، وإنما يجيء ثواب ذلك كله؛ يُجزى من عمل السيء بالسوء، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، أفترى يرى السرقة والزنا وشرب الخمر وسائر أعمال المعاصي إنما يرى العقاب والعذاب عليهما، وبيان هذا وأمثاله في القرآن كثير. وأما ما جاءت به السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ظل المؤمن صدقته)؛ فلا شيء أبين من هذا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة)؛ فإرشادك الضالة صدقة، وتحيتك لأخيك بالسلام صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، ومباضعتك أهلك صدقة؛ فكيف يكون الإنسان يوم القيامة في ظل مباضعته لأهله؟ إنما عنى بذلك كله ثواب صدقته؛ أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يُظله الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ فليُنظر مُعسراً أو ليدَع له)؛ فأعلمك أن الظل ثواب الأعمال.) [2/203]
وقال الترمذي في سننه: (ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه يجيء ثواب قراءته .... وفي حديث النواس عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ما فسروا؛ إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأهله الذين يعملون به في الدنيا)؛ ففي هذا دلالة أنه يجيء ثواب العمل). [5/160]
والله أعلم














