السؤال:
إذا كان التأويل مانعًا من تكفير المخالف ـ في الأسماء والصفات مثلاً ـ ، فكيف ساغ تبديعه وتفسيقه؟ كيف فصلنا بين القضيتين؟ ـ الحكم عليه بالكفر ، والحكم عليه بالبدعة والفسق ـ ؛ فإذا كان التأويل عذرًا مانعًا من التكفير ، فكيف لا يكون مانعًا أيضًا من التفسيق والبدعة؟ يعني مثل عمرو بن عبيد وواصل وأعيان المعتزلة الذين بدعهم السلف، لماذا كان التأويل مانعًا من تكفيرهم ولم يكن مانعًا من تبديعهم وتفسيقهم؟
الجواب:
لا بد من بيان أمور مهمة:
أولاً: إطلاق القول بأن التأويل مانعٌ من تكفير المخالف إن وقع فيه ليس على إطلاقه، بل من التأويل ما يكون مانعاً ومنه ما لا يكون، فمن كان لتأويله مساغ في اللغة مثلاً، أو تأول ظاهر آية نُسخت أو عمل بعموم آية أريد بها الخصوص ونحو ذلك، فإن هذا قد يمنع من الحكم على المتأول بما يستلزمه الخطأ المُتأوَّل، كمن تأول اليد لله تعالى بالنعمة أو القدرة، فإن اللغة من حيث الجملة تطلق على النعمة أو القدرة يداً بضوابط وقيود قد تفوت المتأول ولا يتفطن لها، بخلاف من تأول الاستواء بالاستيلاء فإن هذا لا مساغ له لا لغةً ولا شرعاً، وأصل ذلك أن التأويل بما تسيغه اللغة في الجملة شبهةٌ تمنع من لحوق الوعيد، إذ الأصل أن الحدود تُدرأ بالشبهات، وقد عفا الله تعالى عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، كما قال تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، وأما من تأول تأويلاً لا مساغ له لا لغة ولا شرعاً فحقيقته أنه مُكذِّبٌ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ما وقع لعثمان بن مظعون رضي الله عنه ومن معه لما شربوا الخمر متأولين قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا)، فكان هذا التأويل مانعاً من الحكم عليهم بالفسق.
ثانياً: أن التأويل وإن منع من التفسيق أو التكفير للشبهة فلا يلزم أن يمنع من الحد والعقوبة، كما جلد عمر رضي الله عنه عثمان بن مظعون ومن معه على شرب الخمر مع كونهم كانوا متأولين، وكما منع النبي صلى الله عليه وسلم من لعن الصحابي الذي جلده على شرب الخمر أكثر من مرة قائلاً: (إنه يحب الله ورسوله)، فعقوبة المبتدع بهجره أو جلده أو نحو ذلك لا تتوقف على الحكم بتفسيقه.
ثالثاً: أن البدعة تلزم كل من وقع فيها وإن كان في نفسه متأولاً لم يتبين له الحق، لأننا مأمورون بالحكم على الظواهر، وأما الحكم بالكفر فقد يُدرأ بالتأويل السائغ لورود الأدلة به كقوله تعالى (وما كنا معذببن حتى تبعث رسولا) فالعذاب والعقوبة مرفوعة لحين بلوغ العلم وقيام الحجة، لا سيما في المسائل التي قد تخفى كبعض مسائل الأسماء والصفات، ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله في الذي قال لأهله: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له).
قال ابن تيمية: (فهذا رجل شك في قدرة الله على وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك). [مجموع الفتاوى 3/231].
فالكفر يترتب عليه أمورٌ كثيرة كالحكم بالردة والتفريق بين الزوجين والقتل وغير ذلك، فالاحتياط فيه ينبغي أن يكون أعظم من الاحتياط من مجرد التبديع أو التفسيق. بخلاف الحكم بالبدعة فإنه لا بد منه لما يترتب عليه من درء مفسدتها بمجانبتها ومجانبة أهلها وعدم الاغترار بهم.
رابعاً: لا بد من التفريق بين التأويل في المسائل الظاهرة كمسائل الشرك في توحيد العبادة وبين التأويل في المسائل التي قد تخفى كبعض مسائل الأسماء والصفات، وقد تكلمنا عن هذا في أجوبة سابقة.
خامساً: أن السلف كانوا يفرقون بين أهل البدع المُكفِّرة في الحكم بالكفر على أهلها، فمن عُلم أن العلم قد بلغه وتبينت له الحجة ووضحت له المحجة حكموا بكفره، كما حكموا بكفر بشر المريسي وحفص الفرد وكثيرين من أئمة المعتزلة، وأما من كان من عوامهم ممن يُظن منه عدم الفهم، أو عدم بلوغ العلم، أو عدم الأهلية فقد يُتوقف في تكفيره، وإن حُكم عليه في الوقت نفسه بالبدعة والفسق.
والله أعلم














