ردة فرية الغناء عن الإمام مالك
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ،،
فقد طالعتنا جريدة الوطن مع كونها من أحب الصحف إلينا ، بموضوع ساءنا جداً وساء كل غيور على دينه ، محب لعلماء الإسلام الذين هم هداة الأنام ، ممن جعلهم الله مصابيح الدجى والظلام ، وهو ما يتعلق بالإمام مالك رحمه الله إمام دار الهجرة الذي أطبقت الأمة على فضله ومكانته ، فقد كتب من لم يذكر اسمه موضوعاً يتعلق بهذا الإمام بعنوان (أسرار إئمة وفقهاء الإسلام) أتى فيه بما تمجه الآذان وتستنكره القلوب الحية العارفة بأحوال هؤلاء الأئمة ، وبسنة الله عز وجل فيهم ، حيث افترى على الإمام مالك واختلق عليه ما يعلم بطلانه قطعاً من كونه كان مطرباً يستعذب الغناء ويميل إليه ، وربما تجاذبه مع غيره ، والكاتب بهذا يسير في ركب من سبقوه ممن أشرب في قلوبهم الهوى وأرادوا تسويغ الباطل بنسبته إلى الأئمة ، وليت الكاتب توقف على نسبة الكذب إلى الإمام مالك فحسب بل زاد عليه الخليفة عمر بن عبد العزيز، ثم زاد على ذلك القول على الله بلا علم والفتيا بالجهل والهوى بتحليله الغناء ونسبة هذا التحليل إلى الإمام مالك . وأنا في عجالة سأبين زيف أمرين أساسيين زعمهما الكاتب وهما :
الأول : أن الإمام مالك كان يطرب ويستعذب الغناء وربما فعله وصحح أنغامه
الثاني : أن مذهب الإمام مالك إباحة الغناء
أما الأمر الأول فلا يخفى بطلانه وكذبه على من له أدنى خبرة ودراية بأحوال الأئمة وسيرهم ، وله إلمام بمعرفة الصحيح الثابت عنهم ، من المختلق المفترى عليهم ، وقد كان للإمام مالك نصيب من افتراء أهل الكذب والهوى حيث نسب إليه بعضهم قصصاً في حبه للغناء والسماع وتجاذبه له ونحو ذلك من القصص المفتراة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رد بعض ما نسب إلى الإمام مالك من الكذب (الرد على البكري 1/88 )
( فعلم أن هذا كذب على مالك مخالف لمذهبه كما كذبوا عليه أنه كان يأخذ طنبورا يضرب به ويغني لما كان في المدينة من يغني حتى إن أكثر المصنفين في إباحة السماع كأبي عبدالرحمن السلمي والقشيري وأبي حامد ومحمد بن طاهر المقدسي وغيرهم يذكرون إباحته عن مالك وأهل المدينة وهو كذب فإنه قد علم بالتواتر من مذهبه النهي عن ذلك حتى قال إسحاق بن الطباع سألت مالكا عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق )
وقال أيضاً رحمه الله (الفتاوى 11/577)
(وما ذكره أبو عبد الرحمن السلمى وأبو القاسم الشقيرى وغيرهما عن مالك وأهل المدينة فى ذلك فغلط وإنما وقعت الشبهة فيه لأن بعض أهل المدينة كان يحضر السماع إلا أن هذا ليس قول أئمتهم وفقهائهم بل قال إسحاق بن عيسى الطباع سألت مالكا عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق وهذا معروف فى كتاب أصحاب مالك وهم أعلم بمذهبه ومذهب أهل المدينة من طائفة فى المشرق لا علم لها بمذهب الفقهاء ومن ذكر عن مالك أنه ضرب بعود فقد افترى عليه وإنما نبهت على هذا لأن فيما جمعه أبو عبد الرحمن السلمى ومحمد بن طاهر المقدسى فى ذلك حكايات وآثار يظن من لا خبرة له بالعلم وأحوال السلف أنها صدق )
( وروى ابن أبي الدنيا بإسناد له أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى مؤدب ولده ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن جل جلاله فإن بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت النبت الماء وقد حكى زكريا بن يحيى الساجي في كتابه اختلاف العلماء اتفاق العلماء على النهي عن الغناء إلا إبراهيم بن سعد المدني وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة وهذا في الغناء دون سماع آلآت الملاهي فإنه لا يعرف عن أحد ممن سلف الرخصة فيها إنما يعرف ذلك عن بعض المتأخرين من الظاهرية والصوفية ممن لا يعتد به ومن حكى شيئا من ذلك عن مالك فقد أبطل )
وأما الأمر الثاني وهو متفرع عن الأول وهو نسبة الكاتب إباحة الغناء عن مالك بكونه لم يذكر في موطأه ، وهذا لا شك جهل عظيم وإفك مبين ، إذ قد صح عن الإمام مالك نهيه عن الغناء وتحريمه له ، وتتابع أصحابه المالكية في نقل هذا النهي عنه ، من ذلك:
ما رواه الإمام أحمد في العلل وأبو بكر الخلال في " الأمر بالمعروف " ( ص 32 ) وابن الجوزي في " تلبيس إبليس " ( ص 244 ) بالسند الصحيح عن إسحاق بن عيسى الطباع - ثقة من رجال مسلم - قال : (سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء ؟ فقال : " إنما يفعله عندنا الفساق ")
ثم روى الخلال بسنده الصحيح أيضا عن إبراهيم بن المنذر - مدني ثقة من شيوخ البخاري - وسئل فقيل له : أنتم ترخصون في الغناء ؟ فقال : " معاذ الله ما يفعل هذا عندنا إلا الفساق"
وفي المدونة وهي من أوثق المصادر عن الإمام مالك إذ أنها من رواية عبد الرحمن بن القاسم وهو من أوثق أصحاب مالك 3/432
( قلت : أكان مالك يكره الغناء ؟ قال : كره مالك قراءة القرآن بالألحان فكيف لا يكره الغناء ، وكره مالك أن يبيع الرجل الجارية ويشترط أنها مغنية فهذا مما يدلك على أنه كان يكره الغناء )
وقال أبو بكر الطرطوشي وهو من أئمة المالكية كما في إغاثة اللهفان (1/227) :
( قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه في تحريم السماع الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ونسأله أن يرينا الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه وقد كان الناس فيما مضى يستسر أحدهم بالمعصية إذا واقعها ثم يستغفر ويتوب إليه منها ثم كثر الجهل وقل العلم وتناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارا ثم ازداد الأمر إدبارا حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين وفقنا الله وإياهم استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة والنقير واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله وجاهرت به جماعة المسلمين وشاقت سبيل المؤمنين وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} النساء 115 فرأيت أن أوضح الحق وأكشف عن شبه أهل الباطل بالحجج التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم في أقاصى الأرض ودانيها حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها والله ولي التوفيق )
ثم قال : ( أما مالك فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال : إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب وسئل مالك رحمه الله عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق ،
قال : وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة في المنع منه )
وقال القرطبي وهو من أئمة المالكية أيضاً ( تفسير القرطبي 14/ 47 ) : (الاشتغال بالغناء على الدوام سفه ترد به الشهادة فإن لم يدم لم ترد وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال : سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال : إنما يفعله عندنا الفساق وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال : أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال : إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان هل ردها بالعيب وهو مذهب سائر أهل المدينة)
وهذا مسطر موجود في كل كتب المالكية ينقلون تحريم الغناء عن الإمام مالك ، فلا أدري أيهم أعلم بمذهب الإمام مالك أهو هذا الكاتب المجهول أم أصحابه الأئمة .
وأنا أزيد هنا بعض النقول عن الأئمة النهي عن الغناء وتحريمه ، ولو أردنا الاستطراد والاستيعاب لاحتاج إلى مجلدات
قال الطبري ( تلبيس إبليس 283): ( فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري وقد قال صلى الله عليه وسلم :" من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية" )
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة في رده على من نقل تجويز الآئمة للغناء 3/439:
( فيقال له هذا من الكذب على الأئمة الأربعة فإنهم متفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو كالعود ونحوه ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف بل يحرم عندهم اتخاذها )
وقد مر قبل ذلك كلام الحافظ ابن رجب وأبي بكر الطرطوشي في نقلهم الإتفاق على تحريم الغناء ، وأن من ورد عنهم الرخصة فيه إنما هو من دون آلات وبغير كلام قبيح ، مع أن هذا القول محجوج بالأدلة واتفاق الأئمة ، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب "نزهة الأسماع" للحافظ ابن رجب و"تحريم آلات الطرب للألباني" رحمهما الله أجمعين .
وفي الختام فإنا نطلب من الكاتب الرجوع إلى الحق وتوضيح ذلك وإعلانه ، فإن الرجوع إلى الحق منقبة وشرف وهو خير من التمادي في الباطل ، كما نتمنى من جريدتنا المحببة إلينا الوطن أن توقف هذه السلسلة لما فيها من التلبيس والتزوير ، ولا شك أن استمرار هذه السلسلة على هذا النحو من الكذب إثم عظيم وحوب كبير ، يجب الإقلاع عنه خصوصاً في هذا الشهر المبارك .
والله نسأل أن يلهمانا رشدنا وأن يهدينا سواء السبيل . والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .














